مولي محمد صالح المازندراني
211
شرح أصول الكافي
السماء ولا حسيس نملة في الصخرة الملساء . ( أتقن ما أراد من خلقه من الأشباح كلها ) « من » الأولى متعلقة بأراد ، و « من » الثانية بيان ل « ما » ، والمراد بالأشباح الأشخاص المتغايرة والصور المتباينة كصورة الإنسان وصورة الفيل وصورة البقّة وصورة النملة وغيرها من الصور النوعيّة والصور الشخصيّة والصور الجماديّة والصور النباتيّة والصور الفلكيّة والصور العنصرية . ( لا بمثال سبق إليه ) إن أريد بالمثال الصورة العلمية وإطلاقه عليها شايع كان « سبق » بالباء الموحدة مبنياً للفاعل وضمير فاعله يعود إليه والضمير المجرور إلى الله سبحانه أي خلق ما أراد لا بصورة علمية زايدة سبقت إليه ; لأن ذاته بذاته علم بجميع الموجودات . وإن أريد به مثال الموجودات كما هو الظاهر كان « سبق » مبنياً للمفعول والضمير المستتر له تعالى والضمير المجرور للمثال ، والمقصود أنه خلق ما أراد لا بمثال سبقه تعالى غيره إلى إيجاد ذلك المثال أو مبنياً للفاعل ومرجع الضمير بحاله يعني خلق بلا مثال سبق الله تعالى غيره إلى ذلك المثال في إيجاد مثله بناء على أن المثال قديم لا موجد له أو على أن السبق إضافي ويحتمل أن يكون « إلى » بمعنى « على » ، وإطلاق حروف الجر بعضها على بعض شايع ، ويحتمل أن يكون « سيق » بالياء المثناة من تحت وحكم الضمير فيهما عكس ما والمقصود في هذه الصورة أنه خالق ما أراد بلا مثال سابق لاستحالة افتقاره ونقصانه في العلم والقدرة والفعل وامتناع وجود خالق غيره . ( ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه ) أي عند الخلق والإيجاد أو عنده تعالى بلا مثال ، وهو على الأول متعلق بدخل وعلى الثاني بخلق ، واللغوب : التعب ، وفيه تنزيه له تعالى عن الأحوال البشرية والعوارض البدنية واللواحق الحيوانية من الضعف والأعياء والتعب وكلال الأعضاء عند كثرة الاشتغال . ( ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد من الثقلين الجن والإنس ) تأكيد لما مرّ ومبالغة في أنه البديع المخترع للموجودات وحدودها وهي ما لها من المقادير والأشكال والنهايات والآجال والكمالات على وفق إرادته الكاملة وحكمته البالغة ليس له معين ناصر ولا دافع زاجر يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون . والفرق بين الابتداء والإنشاء خفي ذكرناه سابقاً . ( ليعرفوا بذلك ربوبيته ) ( 1 ) ; لأن ما فيهم من التقديرات والتدبيرات ودقايق الصنع كاف لهم في
--> 1 - قوله : « ليعرفوا بذلك ربوبيته » وروى مثله في تفسير قوله تعالى : ( ما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ) أي إلاّ ليعرفون وبهذا امتاز الإنسان من ساير أنواع الحيوان وبهذا الاعتقاد امتاز المسلمون من الملاحدة والدهريين الذين يجعلون الإنسان في رتبة الحيوان ولا يرون في خلقه سراً ولا يعتبرون الخلافة التي جعلها الله في آدم أصلاً ولا يفرقون بين النفس الناطقة المجردة والنفس المنطبعة الحالة في المادة الجسمانية ، أما المسلمون والإلهيون فيرون في الإنسان شيئاً آخر وسراً وخلافة ورثها من آدم ( عليه السلام ) ، فإنا لا نرى في موجودات هذا العالم المحسوس شيئاً أشرف من الإنسان ، فإن كان هو يعيش ويفنى كساير الأشياء لم يكن فائدة في الخلق أصلاً فلا محيص من أن يكون للانسان غاية يسلك إليها وإن كان شيء يشرف به فهو المعرفة لأنه أكمل الكمالات ، وإن كان في المعارف شيء يستحق أن يكون غاية فهو المعرفة بمبدأ الوجود وأصل الكون فمن يرى كمالاً في غير المعرفة فهو بعد لم يترق من مقام الحيوانية ونحن نوافقهم - أي الماديين - في أنهم في رتبة الحيوان لم يتعالوا عنها فإن أبوا من ذلك وادعوا لأنفسهم فضلاً بالمعرفة فقد صدقوا بما قلنا . ( ش )